الصالحي الشامي

59

سبل الهدى والرشاد

هل رآه بعينه أو بقلبه ؟ والقولان رويا عن الإمام أحمد . وقال الامام النووي : الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة المعراج ، وبسط الكلام على ذلك واستدل بأشياء نوزع في بعضها كما سيأتي بيانه في ذكر أدلة المذهب الأول . وذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة ولم يجزموا بنفي ولا إثبات لتعارض الأدلة ، ورجح ذلك الإمام أبو العباس القرطبي في المفهم ، وعزاه لجماعة من المحققين ، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع . وغالب ما استدلت به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل . قال : وليست ا لمسألة من التعظيمات فيكتفي فيها بالدلالة الظنية ، فإنما هي من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي . وقال السبكي رحمه الله في السيف المسلول : ( ليس من شرطه أن يكون قاطعا متواترا بل متى كان حديثا صحيحا ولو ظاهرا وهو من رواية الآحاد ، جاز أن يعتمد عليه في ذلك لان ذلك من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع ، على أنا لسنا مكلفين بذلك ) . انتهى . وقال القاضي في الشفاء وغيره : ( لا مرية في الجواز ، إذا ليس في الآيات : ( لا تدركه الابصار ) [ الانعام : 103 ] ، ( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) [ الأعراف : 143 ] نص في المنع للرؤية ، بل هي مشيرة للجواز كما تقرر ذلك . وأما وجوب وقوعها لنبينا صلى الله عليه وسلم ، والقول بأنه رآه بعينه ، فليس فيه قاطع أيضا ولا نص يعول عليه ، إذ المعول عليه فيه على آيتي النجم : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) [ النجم : 11 ] و ( ما زاغ البصر وما طغى ) [ النجم : 17 ] . والتنازع بين الأئمة فيهما مأثور ، والاحتمال لهما من حيث دلالتهما على الرؤية وعدمها ممكن ، لعدم صراحتهما بها ، لا أثر قاطع متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . وحديث ابن عباس أنه رآه بعينه أو بفؤاده إنما نشأ عن اعتقاد لم يسنده إلى ا لنبي صلى الله عليه وسلم حتى يعتبر فيجب العمل باعتقاد مضمنه من رؤيته ربه . ومثله حديث شريك عن أبي ذر في تفسير الآية بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ، وحديث معاذ : ( رأيت ربي في أحسن صورة ) ( 1 ) ، مضطرب الاسناد والمتن . وحديث أبي ذر مختلف من حيث اللفظ محتمل لان يكون رآه أو لم يره ، مشكل من حيث جعل ذاته نورا ، فروي : ( نور أني أراه ) ( 2 ) - بفتح أوله وتشديد النون - أي نورا لن أراه ، أي لجري العادة بأن النور إذا غشى البصر حجبه في رؤيته لما وراءه ، وروي : ( نوراني ، أي بكسر النون الثانية وتشديد التحتية ) .

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في اللآلئ 1 / 15 وأخرجه من طرق بنحوه الخطيب في التاريخ 8 / 152 وابن سعد في الطبقات 7 / 304 وابن الجوزي في العلل 1 / 16 وابن أبي عاصم في السنة 1 / 204 . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 161 ) والترمذي ( 3282 ) وأحمد في المسند 5 / 157 وأبو نعيم في الحلية 9 / 61 وسيأتي بتمامه في نص المصنف رحمه الله .